عاد راؤول خيمينيز من واحدة من أقسى لحظات مسيرته، وربما من حافة نهاية كل شيء، ليكتب فصلًا مؤثرًا في كأس العالم 2026، بعدما سجل أول أهدافه في تاريخ المونديال بقميص منتخب المكسيك.
المهاجم المكسيكي، الذي خاض ثلاث نسخ سابقة من كأس العالم دون أن يهز الشباك، انتظر حتى بلغ 35 عامًا ليجد لحظته المنتظرة على ملعب أزتيكا، أمام نحو 80 ألف مشجع، وفي افتتاح البطولة التي تستضيفها بلاده مع الولايات المتحدة وكندا.
في الدقيقة 67، أرسل روبرتو ألفارادو كرة عرضية متقنة، فارتقى خيمينيز ووضعها برأسه في الشباك، ليسجل هدف المكسيك الثاني أمام جنوب إفريقيا. وبعدها مباشرة، انفجر اللاعب بالبكاء، ورفع عينيه نحو السماء، في مشهد حمل الكثير من المعاني الشخصية.
كان الهدف أكثر من مجرد كرة في الشباك. بالنسبة إلى خيمينيز، كان نهاية انتظار طويل، وردًا على سنوات من الانتقادات التي لاحقته بسبب غيابه عن التسجيل في كأس العالم، رغم مكانته الكبيرة في تاريخ منتخب المكسيك.
وبهذا الهدف، رفع خيمينيز رصيده الدولي إلى 46 هدفًا، ليتقاسم المركز الثاني في قائمة الهدافين التاريخيين لمنتخب المكسيك مع جاريد بورغيتي، خلف خافيير «تشيتشاريتو» هيرنانديز، صاحب 52 هدفًا.
لكن طريق خيمينيز إلى هذه اللحظة لم يكن سهلًا. فقد كان في بداياته لاعبًا موهوبًا لكنه متمرد، وكاد يُستبعد من فريقه في سن مبكرة بسبب عدم انضباطه. حينها تدخل والده بعد حديث طويل مع مدربه، ليعيد توجيه ابنه نحو كرة القدم، في لحظة غيّرت مستقبله بالكامل.
بعد سنوات قليلة، أصبح خيمينيز أحد أبرز مهاجمي كلوب أمريكا، قبل أن ينتقل إلى أتلتيكو مدريد مقابل 10 ملايين يورو، ثم يخوض تجارب أوروبية مهمة مع بنفيكا وولفرهامبتون وفولهام.
غير أن الاختبار الأخطر جاء في نوفمبر 2020، خلال مباراة وولفرهامبتون أمام أرسنال في الدوري الإنجليزي. اصطدم خيمينيز بقوة مع دافيد لويز، وسقط فاقدًا للوعي، في حادث مروع انتهى بتعرضه لكسر في الجمجمة ونزيف داخلي.
نُقل المهاجم المكسيكي إلى المستشفى على وجه السرعة، وخضع لعملية جراحية عاجلة، وكانت حياته على المحك. في البداية، لم يكن الحديث عن عودته إلى الملاعب واردًا، لكن خيمينيز تمسك بالأمل وبدأ رحلة طويلة من العلاج والتأهيل.
استلهم خيمينيز تجربة بيتر تشيك، الذي عاد للعب لسنوات طويلة بعد إصابة مماثلة في الرأس، وقرر أن يواصل مسيرته مرتديًا رباطًا واقيًا خاصًا.
وبعد عام تقريبًا من الغياب، عاد إلى الملاعب، وواصل اللعب مع وولفرهامبتون، ثم انتقل إلى فولهام، حيث سجل ما يقارب 30 هدفًا خلال ثلاثة مواسم في لندن.
وقبل انطلاق كأس العالم 2026، عاد خيمينيز إلى وولفرهامبتون من جديد، مؤكدًا أن هذا النادي منحه الكثير، وأنه يريد مساعدته على العودة إلى الدوري الإنجليزي الممتاز.
لكن هدفه في مرمى جنوب إفريقيا لم يكن مرتبطًا بالكرة فقط. فقد حمل خيمينيز في داخله حزنًا خاصًا بعد وفاة والده في الربيع الماضي. كان والده الشخص الذي أنقذ مسيرته في بدايتها، ومنحه درسًا في الانضباط والامتنان، وكان يتواصل معه قبل كل مباراة.
لذلك، لم تكن دموع خيمينيز بعد الهدف مجرد فرحة لاعب سجل في كأس العالم، بل كانت أيضًا رسالة إلى والده، الذي رحل قبل أن يرى ابنه يعيش واحدة من أعظم لحظات مسيرته.
في ليلة أزتيكا، لم يسجل راؤول خيمينيز هدفًا فقط، بل تخلص من حمل ثقيل ظل يرافقه لسنوات، وأثبت أن بعض القصص لا تكتمل إلا بعد الألم والانتظار والعودة من أكثر الطرق قسوة
